فخر الدين الرازي
231
المطالب العالية من العلم الإلهي
أفعال غير متناهية عن القوة الجسمانية . فقد ظهر من هذا الوجه صحة هذه المقدمات . وإذا ثبت هذا فنقول : ثبت بالدليل وجود حركات غير متناهية ، وثبت بالدليل أنه لا بد لها من مؤثر يؤثر فيها ، ومن موجد يوجدها ، وثبت بالدليل أن موجد الأفعال الغير متناهية يمتنع أن يكون جسما أو جسمانيا فلم يبق إلا الاعتراف بوجود موجود ليس بجسم ولا بجسماني ، وهو المحرك لأجرام الأفلاك والكواكب ، وهو المحرك للعناصر بحسب امتزاجاتها التي لا بداية لها ، وذلك الموجود هو إله العالم ومدبر العالم . وهذه الطريقة كان قدماء [ الفلاسفة من « 1 » أصحاب أرسطاطاليس يعوّلون عليها في إثبات الإله لهذا العالم . واعلم أن مذهب المتكلمين : أن القول بوجود حوادث لا أول لها محال ، وأنه يجب انتهاء الحوادث إلى حادث هو أول الحوادث . ودلائلهم كثيرة سنذكرها في مسألة الحدوث والقدم . إلا أنا نذكر هاهنا واحدا من تلك الدلائل ، فنقول : إن الدليل على أن [ الأمر ] « 2 » كما ذكرناه : أن ماهية الحركة وحقيقتها : أنها انتقال من حالة إلى حالة ، وكل ما كان كذلك فإن حقيقته تقتضي أن يكون مسبوقا [ بالحالة المنتقل عنها ، وكل ما كان كذلك ، فإن حقيقته تقتضي أن تكون مسبوقة ] « 3 » بغيرها ، فثبت أن حقيقة الحركة وماهيتها تقتضي أن تكون مسبوقة بغيرها . واما [ حقيقة ] « 4 » الأزل ونفى الأولية فهي تقتضى ان لا تكون مسبوقة بغيرها ، وإذا ثبت هذا فنقول : لو فرضنا حركة موجودة في الأزل ، فهي لكونها حركة . إما أن تكون مسبوقة بغيرها ، أو لكونها أزلية يجب أن لا تكون مسبوقة بغيرها . وذلك يوجب الجمع بين النقيضين ، وهو محال . فيثبت بهذا البرهان : أنه لا بد للحركات من أول ، ومن بداية ، وإذا ثبت هذا فنقول : إنه قبل ذلك الوقت الذي هو أول الحركات ، إما أن يقال : كانت
--> ( 1 ) من ( ز ) . ( 2 ) من ( ز ) . ( 3 ) من ( ز ) . ( 4 ) سقط ( س ) . والأول ( ز ) .